المقريزي

90

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

يعمل في المعجونات ، وسائر الأدوية ضعفا في قوتها فأعمار الأدوية المفردة والمركبة المعجون منها ، وغير المعجون بمصر أقصر من أعمارها في غير مصر . فيحتاج الطبيب بمصر إلى تقدير ذلك وتمييزه حتى لا يشتبه عليه شيء مما يحتاج إليه . وإذا لم يكتف في تنقية البدن بالدواء المسهل دفعة واحدة ، فلا بأس بإعادته بعد أيام ، فإن ذلك أحمد من إيراد الدواء الشديد القوّة في دفعة واحدة . قال : ولكون أرض مصر تولد في الأجسام سخافة ، وسرعة قبول للمرض وجب أن تكون الأبدان على الهيئة الفاضلة بأرض مصر قليلة جدا . فأما الأبدان الباقية فكثيرة وأن تكون الصحة التامّة عندهم على الأمر الأكثر في القريبة من الهيئة الفاضلة ، والطريق الأولى التي تدبر بها الأبدان في الهيئة الفاضلة يحتاج فيها بأرض مصر إلى أن يدبر الهواء ، والغذاء والماء وسائر الأشياء تدبيرا يصير به في غاية الاعتدال . ولأنّ الهضم كثيرا ما يسوء بأرض مصر . وكذلك الروح الحيواني ، فيجب صرف العناية إلى مراعاة أمر القلب والدماغ والكبد والمعدة والعروق وسائر الأعضاء الباطنة في تجويد الهضم ، وإصلاح أمر الروح الحيواني وتنظيف الأوساخ الأححة . وقال في شرح كتاب الأربع لبطليموس : وأما سائر أجزاء الربع الذي يميل إلى وسط جميع الأرض المسكونة أعني بلاد برقة ، وسواحل البحر من مريوط إلى الإسكندرية ورشيد ودمياط وتنيس والفرما ، وأسفل الأرض بمصر ، ونواحي مدينة منف ومدينة الفسطاط ، وما يلي شرقي النيل من صعيد مصر والفيوم إلى أعلى الصعيد مما في غرب النيل وأرض الواحات ، وأرض النوبة والبجة والأرض التي على البحر في شرقي بلاد النوبة ، والحبشة . فإن هذه البلاد موضوعة في الزاوية التي تؤثر في جميع الربع الموضوع فيما بين الدبور والجنوب . وهي من جملة النصف الغربي من الربع المعمور والكواكب الخمسة المتحيرة تشترك في تدبيرها . فصار أهلها محبين للّه ، ويعظمون الجنّ ، ويحبون النوح ، ويدفنون موتاهم في الأرض ، ويخفونهم ويستعملون سننا مختلفة ، وعادات وآراء شتى لميلهم إلى الأسرار التي تدعو كل طائفة منهم إلى أمر من الأمور الخفية ، فيعتقده ويوافقه جماعة ومن أجل هذه الأسرار كان المستخرج للعلوم الدقيقة ، كالهندسة والنجوم وغيرها في الزمان الأول أهل مصر ، ومنهم تفرقت في العالم وإذا ساسهم غيرهم كانوا أذلّاء . والغالب عليهم الجبن والاستحذاء في الكلام وإذا ساسوا غيرهم كانت أنفسهم طيبة ، وهممهم كثيرة ، ورجالهم يتخذون نساء كثيرة ، وكذلك نساؤهم يتخذن عدة رجال . وهم منهمكون في الجماع ، ورجالهم كثيرو النسل ، ونساؤهم سريعات الحمل ، وكثير من ذكرانهم تكون أنفسهم ضعيفة مؤنثة . وقال أبو الصلت : وأما سكان أرض مصر فأخلاط من الناس مختلفوا الأصناف والأجناس من قبط وروم وعرب وأكراد وديلم وحبشان ، وغير ذلك من الأصناف إلا أن جمهورهم قبط قالوا : والسبب في اختلاطهم تداول المالكين لها ، والمتغلبين عليها من